عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي

20

سر الفصاحة

فصل في الحروف الحرف في كلام العرب يراد به حدّ الشيء وحدّته ، ومن ذلك حرف السيف إنما هو حده وناحيته ، وطعام حرّيف : يراد به الحدة ، ورجل محارف أي : محدود عن الكسب ، وقولهم : انحرف فلان عن فلان ، أي : جعل بينه وبينه حدا بالبعد . وفسر أبو عبيدة معمر بن المثنّى « 1 » قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [ الحج : 11 ] أي : لا يدوم ، وفسره أبو العباس أحمد بن يحيى « 2 » أي : على شك ، وكلا التأويلين على ما قدمناه ، لأن المراد أنه غير ثابت على دينه ، ولا مستحكم البصيرة فيه ، فكأنه على حرفه ، أي : غير واسط منه . وسميت الحروف حروفا لأن الحروف حدّ منقطع الصوت ، وقد قيل : إنها سميت بذلك لأنها جهات للكلام ونواح ، كحروف الشيء وجهاته . فأما قولهم في القراءة : حرف أبي عمرو من القرّاء وغيره ، فقد قيل فيه : إن المراد أن الحرف كالحد ما بين القراءتين ، وقيل أيضا : إن الحرف في هذا القول المراد به الحروف ، كما قال اللّه تعالى : وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها [ الحاقة : 17 ] . أي : والملائكة . ومن قولهم : أهلك الناس الدينار والدرهم ، أي : الدنانير والدراهم « 3 » ، والمعنى : أن

--> ( 1 ) هو معمر بن المثنى التيمي - أبو عبيدة - النحوي المعروف ، من أئمة العلم بالأدب واللغة . ولد بالبصرة سنة 110 هجرية وتوفي سنة 209 هجرية . قال عنه الجاحظ : « لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه » . له نحو « 200 » مؤلف منها : نقائض جرير والفرزدق ، ومجاز القرآن ، وأيام العرب ، ومعاني القرآن . . . وغيرها كثير ، وهو من حفاظ الحديث . ( 2 ) هو أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني - أبو العباس - المعروف بثعلب . إمام الكوفيين في النحو واللغة ، وكان راوية للشعر ، مشهورا بالحفظ ، ولد ببغداد سنة ( 200 ) هجرية . أصيب في أواخر عمره بالصمم ، توفي على أثر صدمة تلقاها من فرس سنة ( 291 ) هجرية . من كتبه : « قواعد الشعر » ، و « شرح ديوان زهير » ، و « الفصيح » ، و « مجالس ثعلب » . ( 3 ) لأن « أل » فيها للجنس .